الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

42

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 14 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 14 ] ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ ( 14 ) الخطاب في ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ للمشركين الذين قتلوا ، والذين قطعت بنانهم أي يقال لهم هذا الكلام حيث تضرب أعناقهم وبنانهم بأن يلقى في نفوسهم حينما يصابون إن أصابتهم كانت لمشاقتهم اللّه ورسوله ، فإنهم كانوا يسمعون توعد اللّه إياهم بالعذاب والبطش كقوله : يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ [ الدخان : 16 ] وقوله : وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ الأنفال : 34 ] ونحو ذلك وكانوا لا يخلون من اختلاج الشك نفوسهم ، فإذا رأوا القتل الذي لم يألفوه ، ورأى الواحد منهم نفسه مضروبا بالسيف ، ضربا لا يستطيع له دفاعا ، علم أن وعيد اللّه تحقق فيه ، فجاش في نفسه أن ذلك لمشاقته اللّه ورسوله ، ولعلهم كانوا يرون إصابات تصيبهم من غير مرئي ، فجملة : ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ مقول قول محذوف تقديره : قائلين ، هو حال من ضمير فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ [ الأنفال : 12 ] . واسم الإشارة راجع إلى الضرب المأخوذ من قوله : فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [ الأنفال : 12 ] وهو مبتدأ وخبره محذوف ، فإما أن يقدر ذلك هو العقاب الموعود ، وإما أن يكون مما دل عليه قوله : بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ الأنفال : 13 ] فالتقدير ذلك بأنكم شاققتم اللّه ورسوله . وتفريع فَذُوقُوهُ على جملة : ذلِكُمْ بما قدر فيها تفريع للشّماتة على تحقيق الوعيد ، فصيغة الأمر مستعملة في الشماتة والإهانة ، وموقع فَذُوقُوهُ اعتراض بين الجملة والمعطوف في قوله : وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ ، والاعتراض يكون بالفاء كما في قول النابغة : ضباب بني الطّوالة فاعلميه * ولا يغررك نأيي واغترابي قالوا وفي قوله : وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ للعطف على المقول فهو من جملة القول ، والتعريف في الكافرين للاستغراق وهو تذييل . والمعنى : ذلكم ، أي ضرب الأعناق ، عقاب الدنيا ، وأن لكم عذاب النار في الآخرة مع جميع الكافرين ، والذوق مجاز في الإحساس والعلاقة الإطلاق . وقوله : وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ عطف على الخبر المحذوف أي ذلكم العذاب وأن عذاب النار لجميع الكافرين .